الشيخ عبد الغني النابلسي
31
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وقد ذكرنا صورة التّرقي بعد الموت في المعارف الإلهيّة في كتاب التّجلّيات لنا عند ذكرنا بعض من اجتمعنا به من الطّائفة في الكشف وما أفدناهم في هذه المسألة ممّا لم يكن عندهم . ومن أعجب الأمر أنّه في التّرقّي دائما ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ورقّته وتشابه الصّور مثل قوله تعالى : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] . وليس هو الواحد عين الآخر فإنّ الشّبيهين عند العارف من حيث إنّهما شبيهان غيران . وقد ذكرنا في صورة الترقي بعد الموت لأهل السير والسلوك في الدنيا لا للذين ماتوا على الانقطاع عن اللّه تعالى للختم على قلوبهم في المعارف الإلهية التي هي عبادة الكمل من أهل اللّه تعالى إلى الأبد ، وإن كان لها عندهم في الدنيا إشارات جسمانية تسمى عبادات التكليف تنقطع بموت الجسد في كتاب التجليات الإلهية لنا عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة العارفين باللّه تعالى في الكشف وذكرنا ما أفدناهم في هذه المسألة وهي الترقي بعد الموت مما لم يكن عندهم من قبل ذلك . وعبارته رضي اللّه عنه في كتابه المذكور في تجلي سريان التوحيد : رأيت ذا النون المصري في هذا التجلي وكان من أطراف الناس ، فقلت له : يا ذا النون عجبت من قولك وقول من قال بقولك : إن الحق تعالى بخلاف ما يتصوّر ويتمثل ويتخيل ، ثم غشي علي ، ثم أفقت وأنا أرعد ، ثم رمزت وقلت : كيف يخلو الكون عنه والكون لا يقوم إلا به ، وكيف يكون عين الكون وقد كان ولا كون ، وكيف يا حبيبي يا ذا النون وقبّلته ، أنا الشفيق عليك لا تجعل معبودك عين ما تصوّرته ، ولا تخلي ما تصوّرته عنه ، ولا تحجبك الحيرة عن الحيرة ، وقل ما قال ، فنفى وأثبت : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ليس هو عين ما تصوّر ولا يخلو ما تصوّر منه ، فقال ذو النون : هذا علم فاتني وأنا حبيس ، والآن قد سرح عني فمن لي به وقد قبضت على ما قبضت فقلت : يا ذا النون ما أريدك هكذا ومولانا وسيدنا يقول : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] والعلم لا يتقيد بوقت ولا زمان ولا بنشأة ولا بحالة ولا بمقام فقال لي : جزاك اللّه خيرا عني قد بين لي ما لم يكن عندي وتجلت به وتحلت به ذاتي وفتح لي باب الترقي بعد الموت وما كان لي خبر منه جزاك اللّه خيرا وذكر من هذا القبيل أشياء كثيرة في كتابه المذكور وقعت له مع الجنيد والشبلي وابن عطاء والحلاج وغيرهم رضي اللّه عنهم .